السيد علي عاشور
14
موسوعة أهل البيت ( ع )
وصدقت الآجال ، وحقت الأوجال وتضايق المجال ، وحاق القتال ، فإن كان مجزاعا مهلاعا مزواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة ويستبقها ، ويستصوب الدنية ويتطوقها ، ويستعذب المفرة ويتفوقها ، ويستصحب الذلة ويتعلقها ، مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار ، مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع لكل خطار ، فذلك مهبول الأم ، مخبول الفهم ، مفلول الجمع ، معزول عن السمع ، ضرب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه وبين الشهامة بإبراء في كتاب ، لا تعرف نفسه سرفا ، ولا تجد عن الخساسة والدناءة منصرفا . وإن كان محزرا « 1 » ، مجزارا ، كرارا ، صبارا ، يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزامر « 2 » المطربة ، ويسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر المعجبة ، خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة وعزيمة مطنبة ، يعد مصافحة الصفاح غنيمة بادرة « 3 » ومرامحة الرماح فائدة عائدة ، ومكافحة الكتائب مكرمة زائدة ، ومناوحة المناقب « 4 » منقبة شاهدة ، يعتقد القتل ملحفة طلل الحياة الأبدية ، ويسعفه جلل المحامد السرمدية ، ويزلفه من منازل الفخار العالية المغرة للشهداء الأحدية ، جانحا إلى إبتياع العز بمهجته ويراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا وإن غادرت جماحه قتيلا : يرى الموت أحلى من ركوب دنية * ولا يعتدى للناقصين عديلا ويستعذب التعذيب فيما يفيده * نزاهته عن أن يكون ذليلا فهذا مالك زمام الشجاعة وحائزها ، وله من قداحها معلاها وفائزها ، قد تفوق بها لبان الشرف واغتذاه ، وتطوق در سحابه المستحلا وتحلاه ، وعبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه ، ونطق فعله بمدحه وإن لم يفض فاه ، وصدق واللّه واصفه بالشجاعة التي يحبها اللّه ، وإذا ظهرت دلالة الآثار على مؤثرها ، وأسفرت عن تحقق مثيرها ومثمرها « 5 » . فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه وجزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه أنّ الحسين عليه السّلام لمّا قصد العراق وشارف الكوفة ، سرّب إليه أميرها يومئذ عبيد اللّه بن زياد الجنود لمقاتلته أحزابا ، وحزّب عليه الجيوش لمقاتلته أسرابا ، وجهز من العساكر عشرين ألف فارس وراجل يتتابعون كتائبا وأطلابا ، فلما حصروه وأحدقوا به شاكين في العدة والعديد ، ملتمسين منه نزوله على حكم بن زياد أو بيعته ليزيد ، فإن أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين وحبل الوريد ، ويصعد الأرواح إلى المحل الأعلى ويصرع الأشباح على الصعيد ، فتبعت نفسه الأبيّة جدها وأباها ، وعزفت عن التزام الدنية فأباها ، ونادته النخوة الهاشمية فلباها ، ومنحها الإجابة إلى مجانبة الذلة وحباها ، فاختار مجالدة الجنود ومضاربة ضباها ، ومصادمة صوارمها وشيم شباها ، ولا يذعن
--> ( 1 ) في كشف الغمة : مجسارا . ( 2 ) في نسخة : المزاهر . ( 3 ) في كشف الغمة : باردة . ( 4 ) في نسخة : المقانب . ( 5 ) كشف الغمة : 2 / 227 .